سدرة الوصل .. شهوة الموصول
قراءة إشارية
بقلم / محمد عبد السميع نوح
هذا ألق مستمد من سنا الوحي ، أمطرته المعاني روح من الشعر ، وألبسته سرا لطيفا ، بحيث لا يرى إلا بعين مجردة عن الأغيار .
إنها قصيدة ( سدرة الوصل شهوة الموصول ) للشاعر / هشام محمود ، التي تترفع عن أن يباشرها النقد الشائع بأدواته الخادشة ، فهي رقيقة رقيقة ، تستحي كلماتها من تلك المعالجة .. ثم ماذا …؟
ربما تنسل بصص من عين الفاحص ، خلل ما اختل فيها ، لا عن عيب وإنما عن طريقة في الفن ، تعمد إلى إشارة فاتحة .فما بال سدرة الوصل على هذا الإحكام ؟ وما بال شهوة الموصول بهذا الخدر العجيب ..؟ وأنى لقارئ أن يستظهر معانيها وينفذ من مبانيها ….؟ إذن لا مناص من الحيلة ، فإن لم تلامس أناملك تلك الجميلة فلتتشمم طيب أريجها ، ثم لتصنع الروح من هذا الأريج طقسا يبيض بيضة ذهبية ، هي ما يتوالد من معان ، بعضها من بعض ، فاظفر بها ، وحاورها ، قل لها كما قال الشاعر : تهيأت لك . فتقول لك : تهيأت لي ، ذب وليسعك الذوبان .
الوصل / الإجابة / التلبية / القبول / القرب / الفناء / الوصول / الفناء ، هكذا بعفوية ولا ترتيب ، الشوق / استبدال شهوة بشهوة / الاشتهاء والشهية ، وكيف انتظمت كلمة ( الشهوة ) رغم ما يعلق بها من شبهة في هذه السلسلة العرفانية إلى هذه السدة من السماء ..؟
لا ريب في أنه الحب ، الذي يذيب في كيميائه ما يذيب ، حب يذوب المقادير فيك : فيك .. فيك .. فيك ، ارتشفت حليب النبوة : النبوة .. النبوة .. النبوة ، من عينيك : عينيك .. عينيك .. عينيك . واترك المعنى يتخلق رويدا رويدا ، واصبر حتى يتم حمله وفصاله . المفتتح القرآني شفاء من شفه الوجد ، وحكمته حكمة حيائه المصطفوي عن الإلحاف ، فظل يقلب الوجه ، وفي صدره حاجة نفسه ، لم يكن الصمت صمتا ، بل سعيا حثيثا على سكة الوصووووووول ، بسبع واوات ، تنفتح لكل واحدة منهن سماء . وفي رحلة شاعرنا ( هشام محمود ) ترتد الذاكرة بسرعة إلى شكوى الحلاج ، وكأنما يذكرنا بمنطقة القروش في هذا المحيط الخضم ، أو بمثلث برمودة ، كمعادل لخصوصية التجربة الحلاجية ، فالقوي يجوز فيجاز ، وعلى العيي تقع تبعة المجازفة ، هي شكوى تلف أنفاسا من النصيحة ، ونصيحة دفعت بها الشكوى ، ولا منجى إلا من المقصود بهذا التوجه ( أعني على الضنى ) فمتى يخرج الكون منك ، فتتهيأ للدخول عليه ..؟ لأنه واحد والأغيار كثر ، الأغيار / الفراغ ، فيما لا يحتمل المحل الشيء ونقيضه ، ولا حيلة للمرء في تفريغ النفس من كونها نفسا إلا بهذا التسليم :
ســلم الأمر إلينا نحن أولى بك منكا .
لا تدبـر لك أمرا فألو التدبير هـلكى .
هذه الثنائية ( كنت كثيرا فلما فنيت به صرت موحَّدا في ذاتك ، وصرت به موحِّدا ) مما لم يفهمه كثيرون من معاصري الحلاج حين قال :
أنا الحق في عشقي كما أن سيدي
هو الحـق فـي حسـن بغير معية .
ولتقع النفس - والحال هذه - موقع الليل وحدة ووحشة وانفرادا ، وحدة تنقلب جمعا به ، ووحشة ظاهرها العذاب وباطنها الرحمة ، وانفرادا هو خلوص من الأغيار والأوزار ، وعندئذ تنسرج فيك مصابيح الأبدية ( في برزخ الليل أسرجت ديمومتي ) طوبى لمن جاد بفنائيته ؛ ليجاد عليه بديمومة سيده ، فإن تكن بطولة فهذه ، وإن تكن للجهاد الأكبر قمة فلن تكون غير هذه ، وإن يكن تعشق وتعلق فبهذه ، ولا تصح العلاقة بالملأ الأعلى إلا من هذه ، ولقد قال أحدهم : ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم ، كناية عن موت النفس ، وحول هذا المعنى تطوف كلمات الشاعر / محمد الشهاوي ( اخرج من ذاتك تكبر …. ) وحين ترتفع حرارة الشكوى يصفو ويشف ثوب القصيدة ، عن ثلاثة أبيات على بحر المتدارك ، في كلمات لا تحس الهمس فيها ، إلا كمرور خط الفصل بين النور والظل على ثوبك :
وارد دون من ورد مقصد فوق من قصد .
قـد تنـاءى بـوجـده وتفـانى .. بمن وجد .
إنه الجمـع .. مسـه طائف السـر، فاتحد .
بهذه الحاسة المفرطة في التلطف يضع الشاعر تجربته في مفترق النفس ، بين سموها وهبوطها ، ليقدم عملا إنسانيا عاما ، ينتظم الواقع النفسي واليوتوبيا ، أو المثال الروحي الأعلى ( إن صحت التسمية ) ومهما يكن من نجاح لهذه الحوارية الرائعة ، إلا أنه لابد من الاعتراف بأنا ربما تقيم إشكالية لدى القاريء المتعجل ، الذي يريد أن يقرأ ويفهم الشعر ، كما يقرأ ويفهم المقال ، وتزول الإشكالية بمعاودة القراءة ، وهل تجب على القاريء هذه الإعادة ؟ هل يحق للمبدع أن يحتكر آذان مستمعيه وأعينهم ؟ هل يستأثر بأذهانهم ..؟ الإجابة : نعم ، ذلك أن قراءة يسيرة لمثل هذه القصيدة تعطي - ولا شك - مردودا وجدانيا ، لا يقاس بعدد الصفحات ، ولا بطول الوقت وقصره ؛ لأن في الشعر على هذه الطبقة عصارة نفس إنسانية كبيرة . فإن لم تكن القراءة متأنية متسائلة مستنبطة ، ومقارنة مقاربة محاورة ، فهي قراءة قاصرة ، ولا يصح للقاريء حينئذ أن يبدي رأيا ، وليحتفظ لنفسه بما استمتع به ، أو امتعض منه فهذا شأنه .
أما إشكالية هذا العمل العذب ، فإنها تبدأ من العنوان ، ومن كلمة ( حوارية ) التي تصف القصيدة ، وبعد القراءة الأولى نتساءل : من يحاور من ..؟
إن للقراءة مستويات ، تتحدد تبعا لها درجات التوفيق لا في الفهم ولا في التأويل ، ولكن في اكتشاف صيغة روحية موازية ، عبر الاشتباكات الرمزية مع الواقع ، فالقصيدة إنما هي انفجار كشفوي من عالم الأسرار ، لتجربة صوفية ناضجة ، لهذا كان حتما مقضيا أن تقرأ انطلاقا من هذه الفكرة ، واسترشادا بتراثنا الصوفي العظيم .
ولا جدال حول مكانة الرمز في البناء الأدبي الصوفي ، بل نذهب إلى أبعد من ذلك ، وهو انسحاب الرمز في الشعر - بشكل عام - تأثرا بما سبقت به حركة الشعر والنثر والموال الصوفي ، لدى أعلام هذا الفن ، فعندما ووجه السالك بأمور لا تتحملها لغة المباشرة ، لتصادمها مع الفكر الظاهر السطحي ، المستريح إلى الدلالة الأولى ، لاذت المعاني بالرمز والمجاز والكناية . ولما أراد الله - عز وجل - أن يضرب مثلا لنوره - سبحانه - ضرب المثل بالمشكاة فيها المصباح ، وربما سأل سائل وقال : إن القرآن الكريم وهو كلام رب العالمين ، وعمدة البيان والبلاغة ، نقرأه فنجده واضحا بينا لا غموض فيه ، فما لهذه الكتابة التي تطلعون بها علينا ، وتدعون فيها ما تدعون ، نبذل فيها الجهد المضني ، ثم لا نقف على كل مراميها ..؟
إن هذه المقارنة وهذا التصور لا يصدران إلا عن قاريء متعثر في قراءة القرآن الكريم ؛ لأن القرآن الكريم منزل من رب العالمين ، موجه لكل العالمين ، من كل ملة وجنس ، وفي كل مكان ، وعلى مدار كل الأزمنة ، فكانت من معجزاته هذه الصياغة الملتحمة بنسيج الفطرة البشرية ، التي فطر الله الناس عليها ، فخاطب المؤمنين والكافرين ، والعارفين والجاهلين ، والملحدين والدهريين ، والعدميين والوجوديين ، وأهل الديانات الأرضية البشرية المكذوبة ، وأصحاب الفلسفات القوية ، وأهل الكتاب من يهود ونصارى . ومن الذي يستطيع مخاطبة ومناقشة ومجادلة ومحاجة كل هؤلاء ، والإمساك بالقاسم الفكري المشترك ، الذي لا يتبدل من أمة لأمة ، ومن عصر لعصر ..؟ بل وأين هو ذلك القاسم المشترك ؟ من الذي يقدر عليه إلا علام الغيوب ؟ الذي يعلم خائنة الأعين ، وما تخفي الصدور . إن الناس ليسوا في إيمانهم على شاكلة واحدة ، فمنهم الأنبياء وأشباه الأنبياء من الصالحين ، أولئك الذين فرغت قرائحهم إلى عقيدة التوحيد ، بلا حاجة إلى براهين مادية أو جدلية ، أولئك المصطنعون الأبرار ، فأين هؤلاء من القرآن الكريم ..؟
نعلم أن الإيمان يزيد وينقص ، وعلى الزيادة والنقصان تدور مراتب الخلق ، والساتبق لن ينتظر المتخلف ، ليجتمعا في مرتبة سواء ، منتظمين على درجة واحدة ، تحت نص قرآني موحد . وكما أن في القرآن الكريم شفاء لكل علة ، على مسرح الأجناس والملل ، أو الأفكار والنظريات ، أو الأزمنة والعصور ، فإن فيه كذلك لكل مستو إيماني ما يرقيه ، ويزج به في حظائر جديدة من النور والعلم ( وفوق كل ذي علم عليم ) ولفهم القرآن مستويات لا نهاية لها ، ولقد بكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أقرأ صحابيا ، هو عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - سورة النساء ، وقال في حديثه الشريف ( شيبتني هود وأخواتها ) وهذا أمر خاص به - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي الأمثل فالأمثل ، وإلا فماذا قالت علوم التفسير في الأحرف المقطعة لفواتح بعض السور ..؟ ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا )
والخلاصة أن الطرح على هذ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ